أذن الظهر في صيف مدينة جدة الحارق .. ومازل واقفاً ينتظر بعض ريالات من هذا القدر الذي أدماه شقيا بالحياة، و هو يلوح بيديه التي أحرقها الكفاح وهم أطفاله , على ذلك الصندوق المملوء بالسمك، مبعداً زمرة الذباب التي تحوم على ما يبعه من “ساردين” ، غير ان الذباب لن يستسلم لحركة يده المهيضه ، و هو أيضا لن يصر على الأنتصار عليها .. و قد أعتاد ذلك ، فمنذ خمس سنوات والعم يحيى يبيع هذا “ السردين” ليجلب مالاً حلال يملئ به أفواه أطفاله الجائعين ، ويقصدَّ به ما يدفعه أجرة للبيت العتيق الذي يسكنه ، ويحفظ حصة منه ليوم أخر يشتري به سمك ويبعه .
كان لدى العم يحيى عائلة مكونة من طفلين وزوجته، أولهما أسمه ياسر والأخر هاني ، هاني الذي يتذكر أبوه تمام كيف كان يوم مولده ، وكيف أن أمه كانت تلفظه خلقا جديدا، رغم كل الضعف الذي ألمَّ بها نتجية الجوع من هذا الفقر الحالك، فقد كانت كمن يفلظ أنفاسه بذلك اليوم، وهي تصرخ صراخ المستميت، حيث كان العم يحيى يجلس خلف باب غرفتها باكياً يضم طفله ياسر ويسدَّ أذنيه ،علَّه ينسه شيئاً من هذه الذاكرة القاهرة ، فكم تبدو الحاجة قاسية على من لا مايملك حتى لقمة العيش لزوجته الحبلى ، وهو ذاك الذي يبكي ليس إعترضاً على القدر بل على هذة الظلمة الموحشة التي تنسدل على حياته ولا يملك و لو شرارة ضوء تنير له البهجة في الحياة، التي يراها زنزانة قد تربص بها الخوف من الإعدام وقد فاحت منها رائحة الظلم والطغيان ، فكائنه مؤسور بها .. بإنسانيته , تلك التي تبحث عن الأشياء ولاتجدها تفتش عن حريتها عن شيئ يعلقها بهذه الحياة ، فهل كانت جريمة العم صالح وجوده بهذه الحياة، أم أن الحياة لم ترضى ببشريته؟!
تـمت !!
تأليف : رامي محمد
إشراف : فاطمة علي
إشراف : فاطمة علي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق